فوزي آل سيف

17

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

فقد نقل المؤرخون أن أحد الصحابة (قدامة بن مظعون) وهو والي البحرين من قبل الخليفة الثاني قد شرب الخمر، فقام الجارود العبدي و" ضرب قدامة بن مظعون الجمحي بالبحرين في الخمر الحدَّ - وهو أميرهم - فبلغ ذلك الخليفة عمر فأرسل إليهم، فقاموا فقال للجارود: هيه، اجترأت على صهري وخال ولدي؟ فقال الجاورد: لا أجترئ على قرشيٍّ بعدك، فقال عمر: لأوجعن ختَنَك - أي صهرك - يعني أبا هريرة فقال الجارود: أيشرب ختَنك ويُضرَب ختني؟! فقال عمر: ما ذاك بالعدل..".[60] وفي رواية أخرى أنه لما أراد أن يحده في شربه الخمر قال قدامة: ليس لك ذلك، لقول الله (لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا..).[61] ولو تأمل متأمل في حوادث القصة وتفاصيلها سيجد كل فقرة فيها ناطقة بتكذيب فكرة مجتمع الصحابة الملائكي! فإن الحادثة يفترض أنها وقعت في سنة 13 هجرية فصاعد، يعني بعد مرور ثلاثة عشر سنة على هجرة النبي ومع ذلك تجد قدامة (لو صدقنا تبريره) لا يرى تحريم الخمر على المؤمن! مع أنه من البديهيات قرآناً وسنةً وفي سيرة المسلمين! فأي علمٍ عند هذا الصحابي الذي يراه المقريزي وأمثاله لديهم من العلوم والمعارف " ما هو حاصل عند الصحابة بأصل الخلقة، لا يحتاجون فيه إلى تكلف طلب، ولا مشقة درس... وكذلك ما فطروا عليه من العقول الرصينة، ما منّ الله تعالى به عليهم، من إفاضة نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر"!! وإن كان مجرد تعلل وتهرب فأين ذهبت عدالة الصحابة؟ وقضية المغيرة بن شعبة في الكوفة أيام الخليفة عمر أيضًا لا تخفى على المتأمل فلتراجع في مظانها. 6. إن ما يقوله بعض الطائفيين في إطار التشويش من أن أصحاب كل ديانة يحبون أصحاب نبيهم إلا (الرافضة) فإنهم يبغضون أصحاب نبيهم لا يستحق النقاش لأنه أشبه بالتهريج، لكن لما كان هذا التهريج هو الشائع الآن نضطر للتعرض له لنقول: أولاً: من أين أثبت هؤلاء أن أصحاب الديانات يحبون أصحاب نبيهم؟ إنّ هذا يحتاج لإثبات! فهل عرفوا كل أصحاب الأنبياء في الديانات الأخر أو أكثرهم ثم تعرفوا إلى أنهم يحبونهم؟ نحن لا نجد هذا الاهتمام عند سائر الديانات بأصحاب أنبيائهم! لا سيما بهذا العرض العريض الذي تلتزم به مدرسة الخلفاء بحيث تفضل وتعدل نحو مئة ألف من أصحاب النبي كما مر! ولو فرضنا حصول ذلك، فهل هو من الأمور التي يلزم الأخذ بها؟ إنّ في أتباع باقي الديانات ممارساتٍ صحيحة وأخرى باطلة، فمن الذي يقول إنّ من الممارسات الحسنة أن يقدسوا الجميع محسنهم ومسيئهم وصالحهم وطالحهم؟ ثم من قال إن الشيعة لا يترضون على الصحابة ولا يحبونهم؟! إنهم يتقربون إلى الله ويستشفعون إليه بمثل أبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود الكندي، وأبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله وغيرهم ممن سيأتي ذكر سيرهم الطيبة! ومثلما أن في مدرسة الصحابة توجد شخصيات مفضلة ومميزة وتعتبر في رأس قائمة الفضيلة والقداسة وأنهم أفضل البشر بعد النبي صلى الله عليه وآله، فإنّ هناك قائمة أخرى مفضلة من الصحابة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، وقد تتداخل الأسماء وقد تتفارق.

--> 60 (النميري؛ ابن شبة: تاريخ المدينة ٣ / ٨٤٥.. وفي نفس الكتاب رواية أخرى تبين كيف أن الخليفة لم يكن يريد أن يقبل شهادتهم بل "سبهم وغضب عليهم غضبًا شديدًا، وأبى أن ينزلهم، ومنع الناس أن ينزلوهم.. ورجا عمر رضي الله عنه أن ينزعوا عن شهادتهم، وأعظم ما قالوا، وأرسل إلى الجارود: لقد هممت أن أقتلك أو أحبسك بالمدينة فلا تخرج منها أبدا أو أمحوك من العطاء فلا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا!، فأرسل إليه الجارود: إن قتلتني فأنت أشقى بذاك، وإن حبستني بالمدينة فما بلدٌ أحب إلي من بلدٍ فيه قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنبره ومهاجره، وإن محوتني من العطاء ففي مالي سعة، ويكون عليك مأثم ذاك وتباعته، فلما رأى عمر رضي الله عنه أنهم لا ينزعون ولا يزدادون إلا شدة أرسل إليهم وسمع منهم وقال: والله ما استعملت عاملًا قط لهوى لي فيه إلا قدامة، ثم والله ما بارك الله لي فيه.. 61 ) المائدة: ٩٣